بين حصيلة الأمس وانتظارات الغد.. أيُّ نخب سياسية للمغرب؟

news24 الأحد 9 أغسطس 2026 - 00:47

مع الاقتراب التدريجي من محطة الاستحقاقات التشريعية لعام 2026، يتأكد يومًا بعد يوم أن المشهد السياسي في المغرب يعيش لحظة فارقة ودقيقة في تاريخه المعاصر. لم تعد الممارسة الانتخابية مجرد طقس دوري لتجديد المؤسسات أو إعادة توزيع المقاعد، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الدولة والمجتمع على تجاوز أزمة ثقة عميقة بين الشارع والنخب السياسية.

لقد أفرزت التجارب الأخيرة خريطة تهيمن عليها تحالفات رجال المال والجاه وسلطة أرباب العمل («الباطرونا»)، الذين أمسكوا بمقاليد التدبير؛ وهو ما أفضى إلى أداء حكومي ومحلي وُصف بالكارثي في نظر منتقديه، ووضع البلاد أمام ضائقة حقيقية تغلب فيها المصلحة الفئوية والحلول الترقيعية. هذا الواقع خنق طموحات التنمية وعمّق الفوارق الاجتماعية والمجالية، تاركًا إقليمًا بحجم تاونات، وما يشابهه من أقاليم المغرب العميق، يصارع تداعيات العزلة وهشاشة البنيات التحتية الأساسية، مع ترسيخ صورة سلبية في ذاكرة الساكنة عن نخب قدمت تجربة هزيلة ودون المستوى المطلوب.

إن القراءة الفاحصة للمشهد الحالي تدل على أن استمرار نهج تمكين أصحاب النفوذ المالي من القرار السياسي كبّد البلاد كلفة اجتماعية واقتصادية باهظة. فحين تتوارى الأفكار والمشاريع المجتمعية لصالح القوة المالية، وتُوزَّع التزكيات الانتخابية بناءً على الولاءات الزبونية، تصبح النتيجة حتمية: منتخبون بلا امتداد شعبي حقيقي، وأداء برلماني وإقليمي يفتقر إلى الجرأة والعمق والتأثير.

وتتجلى هذه المفارقة بوضوح في الدوائر الانتخابية المحلية، مثل دائرتي تاونات–تيسة والقرية–غفساي، حيث ترتفع انتظارات المواطنين لتصطدم برداءة الخدمات الصحية والتعليمية وشح فرص الشغل. هناك، تحولت السياسة في أذهان الكثيرين من وسيلة لخدمة الصالح العام إلى آلية لإعادة إنتاج المصالح الشخصية والنفوذ الفردي. من هنا، فإن التغييرات المرتقبة والرهانات المنشودة لإنقاذ المشهد تتطلب، بالضرورة، إفساح المجال أمام الأحزاب لمنح تزكياتها لكفاءات ووجوه جديدة يُشهد لها بالخبرة والجدية والدعم الصريح لقضايا التنمية، بدل الارتهان للمال السياسي.

إن الخروج من هذه «الضائقة الوطنية» يقتضي تغييرًا جذريًا في قواعد اللعبة، وتبني فلسفة تصويت صارمة لا ترحم كل من أخفق في تجربة سابقة أو تورط في سوء التدبير. لم يعد مسموحًا للناخب المغربي أن يرهن مستقبله ومستقبل أبنائه مقابل وعود براقة، أو أن يسقط في فخ شراء الذمم واستغلال الظروف الاجتماعية الصعبة.

التصويت الواعي ليس مجرد حق دستوري، بل هو أداة فعالة للمحاسبة والتغيير؛ خيار يقطع الطريق على من خان الأمانة واستغل ثقة المواطنين، ويسحب البساط ممن عجز عن تقديم الإضافة.

منطق الإفلات من العقاب الانتخابي يجب أن ينتهي، ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة هو السبيل الوحيد لبناء المغرب الحديث والديمقراطي الذي نتطلع إليه. والرسالة الموجهة إلى النخب الحالية العاجزة يجب أن تكون واضحة ومباشرة: «لقد قدمتم كل ما لديكم، وحان الوقت لتسليم المفاتيح.» هذا التنحي لن يأتي بتمنيات الذوات نفسها، بل عبر الضغط الشعبي، والتعبئة المواطنة، والمشاركة الكثيفة في صناديق الاقتراع لإبعاد الوجوه المستهلكة وإسقاط رموز الريع والفشل.

في هذا السياق المتوتر، لا يمكن للإعلام والصحافة النزيهة الوقوف موقف الحياد السلبي أو الاكتفاء بنقل البلاغات الرسمية وتحركات المرشحين. للصحافة دور محوري وتاريخي بوصفها شريكًا أمينًا في توعية الجمهور وتقريب المفاهيم والبرامج من المواطن، من خلال تنوير الرأي العام، وتحذير المواطنين من آفة بيع الضمائر الانتخابية والتصويت الزبوني ومخاطر تغليب المال السياسي، فضلًا عن مساءلة الحصيلة الانتخابية وكشف التقارير الواقعية التي تبرز مكامن الخلل ومظاهر الأداء الهزيل للبرلمانيين والمجالس المنتخبة.

كما أن من واجب الصحافة إبراز الكفاءات والوجوه الجديدة، وتسليط الضوء على الأطر الشابة والنزيهة غير المتورطة في ملفات فساد أو ريع، وتقريب التصورات والبرامج السياسية للمرشحين والمرشحات من عموم الساكنة، بما يساعد المواطنين على اتخاذ قرارات انتخابية أكثر وعيًا ومسؤولية.

يحتاج المغرب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تجديد دماء نخبه السياسية عبر فسح المجال أمام وجوه جديدة تمتلك الكفاءة والعلم والأمانة والقدرة على بلورة نموذج تنموي يواكب الرهانات الكبرى للبلاد. تشريعيات 2026 المقبلة يجب أن تشكل نقطة تحول حقيقية تُطوى معها صفحة الترضيات وسلطة النفوذ والمال، لتفتح الباب أمام نخب مسؤولة تدرك أن التمثيل النيابي تكليف وطني ثقيل، وليس تشريفًا أو حصانة تُستغل لأغراض ذاتية.

تابعوا آخر الأخبار على Google News تابعوا آخر الأخبار على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 21:44

لقجع يفتح النار على حصيلة الحكومة ويضع كلفة المعيشة والهجرة في قلب النقاش الانتخابي

الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 21:39

عاجل.. جلالة الملك يندد بالهجمات الصاروخية الإيرانية على الأردن والخليج العربي ويصفها بالآثمة

الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 21:36

جمعية الناشرين تصعّد ضد أوزين.. مقاطعة لأنشطة الحركة الشعبية وتهديد بكشف التجاوزات

الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 10:30

الحسيمة.. الوكيل العام للملك يكشف تفاصيل واقعة إمزورن