بقلم: برحايل عبد العزيز
ليس من السهل تناول تجربة لجنة الكرامة بتاونات من خارج منطق المزايدة أو الاصطفاف؛ فقد استطاعت اللجنة، خلال سنوات من العمل، أن تضع عدداً من القضايا الاجتماعية في صدارة النقاش العمومي المحلي، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والماء والبنيات التحتية والعدالة المجالية، كما جعلت من الاحتجاج وسيلةً لإيصال مطالب الساكنة والتعبير عن استيائها من جملة اختلالات تمس حياتها اليومية.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن إنكار الوظيفة الديمقراطية للاحتجاج؛ فالاحتجاج السلمي، حين يستند إلى مطالب اجتماعية واضحة، يمثل إحدى الآليات المشروعة لتنبيه المؤسسات إلى مكامن الخلل، ودفع المسؤولين إلى تحمل مسؤولياتهم. كما أن إثارة قضايا الصحة العمومية، خصوصاً في إقليم يكابد سكانه منذ سنوات صعوبات في الولوج إلى العلاج، ليست قضيةً هامشيةً أو ترفاً سياسياً، بل هي من صميم الحقوق الاجتماعية التي يفترض أن تتصدر أولويات العمل العمومي.
غير أن الاعتراف بشرعية الاحتجاج لا يعني إعفاء أي تجربة احتجاجية من النقد والمساءلة؛ بل إن قوة العمل المدني تكمن، في أحد أبعادها، في قدرته على مساءلة الذات بالصرامة نفسها التي يُسائل بها المؤسسات والسلطات المنتخبة.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا فعلت لجنة الكرامة، بالتوازي مع احتجاجاتها، لبناء فعل اجتماعي مستدام؟
فالمجتمع المدني لا يُقاس فقط بعدد الوقفات والمسيرات، ولا بقوة الشعارات أو كثرة البيانات، وإنما يُقاس أيضاً بما يتركه من مبادرات عملية، وشبكات تضامنية، وآليات لمرافقة المواطنين، وقدرة على تحويل المطالب الاجتماعية إلى مشاريع قابلة للاستمرار.
فالاحتجاج يستطيع لفت الانتباه إلى مريض لا يجد العلاج، أو تلميذ يعاني العزلة، أو قرية تفتقر إلى الماء أو المسالك الطرقية؛ لكن القيمة المضافة الحقيقية تبدأ عندما يتحول هذا الألم الاجتماعي إلى مبادرة عملية: شبكة لمساعدة المرضى، وآلية لتوجيه الأسر، وهيئة لرصد الخدمات الصحية، وفريق لتوثيق الملفات، أو شراكات مع جمعيات وطنية وجهوية قادرة على نقل القضية إلى مستويات أوسع.
وبناءً على ذلك، فإن السؤال ليس: لماذا تحتج لجنة الكرامة؟ فهذا حق مشروع ما دامت أدواته سلمية وتحترم القانون؛ وإنما السؤال الجوهري هو: ماذا أنشأت اللجنة إلى جانب الاحتجاج؟
وتزداد وجاهة هذا السؤال عندما يتعلق الأمر بالقطاع الصحي؛ فإذا كان المواطن مضطراً إلى التنقل خارج الإقليم بحثاً عن العلاج، فإن الوقوف أمام المؤسسات الصحية قد يكون خطوة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها. ماذا لو أُرسيت، إلى جانب الاحتجاج، هيئة مدنية دائمة لمرافقة المرضى؟ وآلية لتوثيق الحالات الأكثر هشاشة؟ وماذا لو رُبطت الأسر بجمعيات وطنية متخصصة، وأُعدت ملفات تقنية دقيقة حول خصاص الأطباء والتجهيزات والأدوية لتُرفع إلى القطاعات الحكومية والمؤسسات المنتخبة والجهات المختصة؟
هنا تتجلى قيمة ما يمكن تسميتُه ذكاءَ الترافع.
فالترافع الناجح لا ينحصر في رفع الصوت فحسب، بل يمتد إلى معرفة المنفذ الذي ينبغي أن يبلغه هذا الصوت، وكيفية تحويله إلى أثر ملموس. وفي هذا السياق، يغدو مشروعاً التساؤل: هل استطاعت تجربة لجنة الكرامة الانتقال الوازن من النطاق المحلي إلى البعدين الجهوي والوطني، وبناء تحالفات مع منظمات وهيئات مهنية وحقوقية خارج إقليم تاونات؟
فالملفات الاجتماعية الكبرى لا تُحسم بكثرة المحتجين وحدها، بل تستدعي قوة الوثيقة، واتساع شبكة الحلفاء، ونَفَس الترافع المستمر، والقدرة على مخاطبة المؤسسات بلغة المعطيات الدقيقة والحلول والبدائل.
وبالموازاة مع ذلك، تبرز مسألة لا تقل أهمية: ما طبيعة العلاقة مع المؤسسات؟
إن وظيفة المجتمع المدني ليست الحلول محل الدولة أو المنتخبين، كما لا ينبغي للمنتخبين اختزال المجتمع المدني في كونه مجرد منصة للاحتجاج. فالعلاقة السليمة تقتضي أن يبلور المجتمع المدني المطالب والملفات والمقترحات، في حين تضطلع المؤسسات بأدوارها التشريعية والرقابية والتدبيرية.
وعلى هذا الأساس، فإن انتقال بعض الوجوه البارزة في الحراك الاحتجاجي إلى العمل الانتخابي، إن حدث، لا ينبغي أن يُدان لذاته؛ فالانتقال من الشارع إلى المؤسسة ليس بالضرورة نكوصاً عن المبادئ، بل قد يمثل محاولة لنقل المطالب من موقع الاحتجاج إلى دائرة القرار.
غير أن هذا الانتقال يثير، في المقابل، سؤالاً أخلاقياً وسياسياً مشروعاً: هل ظل العمل الاحتجاجي مشروعاً مجتمعياً مستقلاً، أم تحول تدريجياً إلى رأسمال انتخابي؟
والجواب عن هذا السؤال لا يقوم على التخمين أو محاكمة النوايا، وإنما على محاكمة الممارسة على ضوء الخطاب، وفحص ما تحقق فعلياً من مبادرات وشبكات ومقترحات وبدائل.
فمن يطالب بالتغيير من موقع المعارضة اليوم، سيكون مطالباً غداً، إن تحمّل المسؤولية، بالبرهنة على قدرته على تقديم البديل؛ ومن يرفع شعار الكرامة لا يكتفي بالتنديد بغيابها، بل يسهم عملياً في بناء الأدوات التي تحميها.
وتبعاً لذلك، يبدو أن تجربة لجنة الكرامة في حاجة إلى أفق جديد من العمل، لا يلغي الاحتجاج، بل يتجاوزه نحو ما بعده: من ثقافة الاحتجاج إلى ثقافة الترافع، ومن الترافع إلى بناء المبادرات، ومن المبادرات إلى نسج الشراكات، وصولاً إلى التأثير المؤسساتي الفاعل.
فالاحتجاج يوقظ الوعي، لكنه لا يشيد وحده مستشفى أو مدرسة أو طريقاً؛ والبيان يصف المشكلة، لكنه لا يعالج المريض؛ والشعار قد يجمع الناس في لحظة عابرة، لكنه لا يؤسس بمفرده كياناً اجتماعياً قادراً على الاستمرار.
وإذا كانت لجنة الكرامة قد نجحت في جعل قضايا تاونات حاضرة في الفضاء العمومي، فإن التحدي الفعلي المطروح أمامها وأمام فاعلي الإقليم قاطبةً يكمن في تحويل هذا الصوت إلى تنظيم، وخبرة، وشبكات، ومشاريع قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
عندها فقط، تغدو الكرامة مشروعاً مجتمعياً يرافق المواطن، ويؤثر في القرار، ويترك أثراً حقيقياً يتجاوز لحظة الاحتجاج إلى ما بعدها.






تعليقات
0