بقلم: برحايل عبد العزيز
ليس من الصعب أن ندين الرشوة وأن نطالب بتطبيق القانون على كل من تثبت مسؤوليته عنها. فالفساد، حين تستجمع الواقعة عناصرها القانونية، لا يمثل مجرد انحراف فردي، بل يضرب مبدأ تكافؤ الفرص، ويقوض الثقة في المؤسسات، ويحوّل بعض الحقوق والخدمات إلى امتيازات مرتبطة بالمال أو النفوذ.
غير أن مكافحة هذه الآفة لا ينبغي أن تختزل في الإدانة السريعة أو في مطاردة الوقائع التي تستأثر بالاهتمام الإعلامي. المطلوب هو النظر إلى الظاهرة في امتداداتها، والتمييز بين الاتهام والإثبات، وبين المسؤولية القانونية والحكم الأخلاقي، وبين ما يستحق النشر وما قد يتحول نشره المتسرع إلى اعتداء على سمعة إنسان لم تقل العدالة كلمتها فيه بعد.
ومن هذا المنطلق، تستوقفني قضية موظفة بإحدى الجماعات، ارتبط اسمها أخيراً بشبهة رشوة في موضوع يتعلق بالحالة المدنية، بعد ادعاء شخص أنها طلبت منه مقابلاً مالياً مقابل خدمة إدارية.
هنا تحديداً ينبغي أن نتريث.
فالمرأة ليست مدانة لمجرد ورود اسمها في شكوى أو خبر صحفي. قرينة البراءة ليست امتيازاً يمنح لشخص دون آخر، وإنما مبدأ قانوني يجب احترامه إلى أن تثبت المسؤولية وفق المساطر المعمول بها. وإذا كانت هناك شبهة أو أدلة، فمكانها الطبيعي أمام الجهات المختصة، لا في محكمة الرأي العام.
وهنا تقع على عاتق الإعلام مسؤولية مضاعفة. فالصحافة مطالبة بإخبار الناس، والكشف عن الاختلالات، وممارسة دورها الرقابي، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بالدقة والتحقق واحترام كرامة الأشخاص. وفي القضايا التي لم تحسمها العدالة، ينبغي أن تظل اللغة دقيقة، وأن تكون الحدود واضحة بين الاشتباه والإدانة، وبين الشكاية والإثبات، وبين نقل الواقعة وإصدار الحكم.
وفي المجتمعات الصغيرة، تزداد حساسية هذه المسؤولية. فقد يتحول خبر واحد إلى حديث عام، ثم تتحول الأقاويل إلى قناعة جماعية، وقد يصبح الضرر الذي يلحق بسمعة شخص أكبر بكثير من القيمة الإعلامية التي حققها خبر مستعجل.
لذلك، فإن السبق الصحفي لا ينبغي أن يتقدم على الحقيقة، والبحث عن «البوز» لا يمكن أن يكون مبرراً لتجاوز مقتضيات المهنية. فالصحفي ليس مطالباً بأن يكون أول من ينشر فقط، وإنما بأن يكون من أكثر من يتحرى ويتحقق ويدرك آثار ما ينشره.
إن نشر واقعة ثابتة وموثقة قد يخدم المصلحة العامة، أما تحويل مجرد اتهام إلى إدانة جاهزة فلا يضيف بالضرورة معرفة حقيقية، وقد يخلّف ضرراً يصعب تداركه.
لكن هذه الواقعة تفتح أمامنا باباً أوسع للتأمل في مفهوم الفساد نفسه.
لماذا نرى دائماً من أخذ المال، ولا نرى بالقدر نفسه من دفعه؟
ولماذا نتوقف عند الموظف أو المواطن البسيط، بينما نتردد في الاقتراب من المال والنفوذ والسلطة؟
في المجال الانتخابي، على سبيل المثال، لا يمكن اختزال ظاهرة شراء الأصوات في المواطن الذي يبيع صوته. فإذا كان بيع الإرادة الانتخابية ممارسة مرفوضة، فإن محاولة شرائها تستحق القدر نفسه من الاهتمام، وربما أكثر، لأنها تستهدف حرية الاختيار وتمس جوهر العملية الديمقراطية.
ومن هنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: نطالب المواطن الذي يعيش الهشاشة بألا يبيع صوته، وهذا واجب أخلاقي وقانوني، لكن ماذا عن الشخص الذي يملك المال ويسعى إلى شراء ذلك الصوت؟ لماذا تكون أعيننا أكثر حدة تجاه الحلقة الأضعف، وأقل جرأة أمام صاحب القدرة على التأثير؟
إن مكافحة الفساد تقتضي النظر إلى السلسلة كاملة، لا إلى طرف واحد منها.
والأمر نفسه ينطبق على العلاقة بين السياسة والإعلام.
فالإشهار الانتخابي المعلن ليس في حد ذاته فساداً، والتواصل المدفوع يمكن أن يكون نشاطاً مشروعاً متى احترم القواعد القانونية والمهنية. لكن الإشكال يبدأ عندما تختفي الحدود بين الإعلان والمادة الصحفية، فيُقدَّم المحتوى الدعائي إلى الجمهور على أنه صحافة مستقلة، أو عندما تتحول المنصة الإعلامية إلى وسيلة لتلميع صورة سياسي دون توضيح طبيعة العلاقة التي تقف وراء ذلك.
وهنا ينبغي استعمال المصطلحات بدقة. ليس كل إشهار فساداً، وليس كل مادة سياسية مدفوعة جريمة. لكن إخفاء المصالح، وتضارب الأدوار، والتلاعب بثقة الجمهور، كلها قضايا أخلاقية ومهنية تستحق النقاش. وإذا اقترنت هذه الممارسات بأفعال يجرمها القانون، فإنها تصبح موضوعاً للمساءلة القانونية أيضاً.
بل إن دائرة النقاش ينبغي أن تشمل السياسي نفسه. فإذا كان المواطن مطالباً بالنزاهة، فإن المنتخب أو المرشح مطالب بالقدر ذاته، بل بمسؤولية أكبر بحكم موقعه وثقة المواطنين فيه. وإذا ثبت أن شخصاً استعمل المال أو النفوذ بوسائل يجرمها القانون للتأثير في الناخبين أو شراء الولاءات، فلا معنى لمحاسبة الطرف الأضعف وحده وترك الطرف الأقوى خارج الصورة.
ومن المؤسف أن بعض الخطابات العمومية قد تصل أحياناً إلى درجة التطبيع مع ممارسات فاسدة أو محاولة تقديمها باعتبارها أمراً عادياً. وعندما يصدر مثل هذا الخطاب عن شخصية ذات حضور سياسي أو مؤسساتي، فإنه يستحق النقاش والنقد، لا لأن المتحدث يدان بمجرد كلامه، وإنما لأن تطبيع الفساد في الوعي العام قد يكون أخطر من الواقعة الفردية نفسها.
أما الصحافة المحلية، فهي أمام امتحان حقيقي.
هل تستطيع أن تكتب عن الفساد عندما يتعلق الأمر بموظف بسيط؟
نعم.
لكن هل تستطيع بالجرأة المهنية نفسها أن تتناول، بالدليل والمسؤولية، الملفات التي ترتبط بأصحاب المال والنفوذ والمواقع السياسية؟
هذه ليست دعوة إلى الاتهام، ولا إلى تصفية الحسابات، ولا إلى تحويل الصحافة إلى سلطة اتهام. إنها دعوة إلى اعتماد معيار واحد: الدليل قبل الحكم، والتحقق قبل النشر، والاستقلالية قبل المصلحة، والقانون فوق الأشخاص.
فالفساد لا يوجد فقط في ظرف من المال يُسلَّم تحت الطاولة. قد يتحول مع مرور الوقت إلى ثقافة اجتماعية: موظف يرى الخدمة فرصة للابتزاز، مواطن يعتبر صوته سلعة، سياسي ينظر إلى المال باعتباره طريقاً إلى النفوذ، وإعلامي يتخلى عن استقلاليته من أجل منفعة.
وعندما تتداخل هذه العناصر، يصبح الفساد منظومة اجتماعية لا مجرد حادثة منفردة.
وكما يقول المثل: «إذا سقطت البقرة كثرت السكاكين.»
لكن العدالة ليست سكاكين، والإعلام ليس محكمة، والمواطن ليس مجرد متفرج.
محاربة الفساد الحقيقية تقتضي أن نواجه الظاهرة في جميع حلقاتها، وأن نحمي حق المجتمع في المعرفة دون أن نهدر حقوق الأفراد، وأن نحاسب من تثبت مسؤوليته أياً كان موقعه، وأن نرفض في الوقت نفسه تحويل الشبهة إلى إدانة.
ولهذا فإن الاستفهام الأهم ليس فقط:
من أخذ؟
بل أيضاً:
من دفع؟ ومن استفاد؟ ومن سهّل؟ ومن توسط؟ ومن حوّل المال إلى نفوذ؟ ومن حاول شراء التأثير؟
وفي المجال الإعلامي، يضاف إلى ذلك استفهام آخر:
هل ما يراه المواطن صحافة مستقلة، أم إشهار أو دعاية ينبغي أن تكون طبيعتها واضحة؟
وفي القضايا التي لم تحسمها العدالة، يبقى استفهام أساسي:
هل نحترم قرينة البراءة، أم نحول الاتهام إلى إدانة شعبية قبل أن تقول العدالة كلمتها؟
هذه الاستفهامات لا تعني التساهل مع الفساد، بل تعني محاربته بطريقة أكثر نضجاً وعدلاً.
فالفساد يحتاج إلى قانون يردعه، ومؤسسات تكشفه، وقضاء يفصل فيه، وصحافة تنقل الحقيقة بمهنية، ومجتمع يرفض التطبيع معه.
أما الاقتصار على الحلقة الأضعف، ثم ترك دوائر المال والنفوذ بعيدة عن الضوء، فلن يؤدي إلا إلى معاقبة بعض مظاهر الفساد، مع بقاء الثقافة التي تنتجه قائمة.
إن محاربة الفساد لا ينبغي أن تتحول إلى مطاردة للضعفاء، ولا إلى محاكمة إعلامية تسبق القضاء، ولا إلى معركة انتقائية تختار ضحاياها بحسب مواقعهم. إنها مسؤولية جماعية تبدأ باحترام القانون، وتستمر بطرح الأسئلة نفسها على الجميع، وتنتهي عند قاعدة بسيطة لا ينبغي أن تتغير: لا أحد فوق المساءلة، ولا أحد يُدان قبل أن تثبت مسؤوليته.






تعليقات
0