بلاغة الأرقام المضخمة: خبر ميداني أم رسالة علاقات عامة؟

news24 الأربعاء 2 سبتمبر 2026 - 16:20

 

بقلم برحايل عبد العزيز.

تحتاج إضافة صفر واحد إلى العنوان ثانية واحدة فقط، لكنها كافية لصناعة وهم سياسي كامل. ففي تغطية التجمعات الحزبية، قد يتراجع أحيانا الفرق الجوهري بين ما تمت معاينته في الميدان وما يعلنه المنظمون من المنصة، فيتحول الرقم من أداة وصفية محايدة إلى وسيلة للتعبئة، وتتحول التغطية، من حيث لا يُقصد، من عمل إخباري إلى صدى غير معلن لخطاب العلاقات العامة.

إن التمييز بين حضور ألف شخص وسبعة آلاف ليس ترفا إحصائيا ولا تدقيقا شكليا، بل هو خط التماس بين نقل الواقع وصناعة الانطباع. فمن الطبيعي أن تحرص الهيئات السياسية على إبراز نجاحاتها وقدرتها على الحشد، فهذه من قواعد التنافس الحزبي؛ غير أن وظيفة التغطية الإعلامية ليست تسويق الروايات الجاهزة، وإنما فحصها وتمييز المؤكد منها عن التقديري.

وحين يُنقل تقدير تنظيمي بصيغة تقريرية جازمة توحي باليقين، من دون الإشارة إلى مصدره أو طريقة احتسابه، تصبح المعلومة معرضة للتحول من مجرد تقدير إلى حقيقة متداولة. وهنا تبرز المسؤولية المهنية لمن يتولى نقل الخبر: ليس مطلوبا منه أن يناصب الجهة المنظمة العداء، وإنما أن يحافظ على المسافة الضرورية بين نقل المعطى وتبنيه.

ولا يُطلب ممن يتولى التغطية الميدانية إحصاء الحاضرين واحدا واحدا، فالميدان تحكمه تعقيدات مكانية وظرفية تجعل ذلك متعذرا في كثير من الأحيان. لكن الحد الأدنى من أخلاقيات المهنة يفرض طرح أسئلة بديهية: من أين جاء الرقم؟ ومن قدمه؟ وهل يستند إلى معطيات قابلة للتحقق، أم إلى مجرد تقديرات؟ وهل يمكن نسبته بوضوح إلى الجهة التي أعلنته؟

إن عبارة بسيطة مثل «بحسب المنظمين» قد تبدو تفصيلا صغيرا، لكنها تحدث فارقا كبيرا في طبيعة الخبر. فهي لا تعطل انسيابيته ولا تنتقص من قيمة الحدث، بل تحمي استقلال المعلومة وتمنح القارئ فرصة للتمييز بين ما تمت معاينته وما تم تقديره.

وتزداد أهمية هذا التدقيق لأن الأرقام الكبيرة تمتلك قدرة خاصة على صناعة الانطباع. فحين يسمع المتلقي أن آلافا مؤلفة احتشدت في مناسبة سياسية، قد يربط تلقائيا بين حجم الحضور وحجم التأييد الانتخابي، مع أن العلاقة بين الأمرين ليست بهذه البساطة. فالحضور في تجمع معين لا يساوي بالضرورة عدد الأصوات في صناديق الاقتراع، كما أن القدرة على التعبئة في مناسبة واحدة لا تكفي وحدها لقياس القوة الانتخابية.

وتتضاعف خطورة التساهل مع الأرقام في زمن المنصات الرقمية، حيث تنتشر المعلومة خلال دقائق، وقد يترسخ أثرها في الذاكرة العامة قبل أن تتاح فرصة التحقق منها. أما التصحيح، مهما كان دقيقا، فلا يضمن دائما الوصول إلى الجمهور نفسه الذي تلقى المعلومة الأولى.

ومن هنا، فإن المسؤولية لا تتعلق بالرقم وحده، وإنما بالطريقة التي يقدم بها. فإذا كان الرقم تقديريا، وجب تقديمه باعتباره كذلك. وإذا كان منسوبا إلى الجهة المنظمة، وجب توضيح ذلك. وإذا تعذر التحقق منه، فإن الامتناع عن الجزم به يظل أكثر مهنية من تقديمه في صيغة توحي بأنه حقيقة ثابتة.

والنزاهة المهنية لا تحتمل التجزئة. فالصرامة التي ينبغي اعتمادها في التعامل مع رواية طرف سياسي يجب أن تظل حاضرة عند التعامل مع رواية طرف آخر، سواء كان مؤيدا أو معارضا، أو حتى قريبا من الموقف الشخصي لمن ينقل الخبر. وإلا تحولت الممارسة الإعلامية من نقل الوقائع إلى ترجيح رواية على أخرى دون دليل كاف.

كما أن طرح الأسئلة حول مصدر رقم أو دقته لا ينبغي أن يُفهم باعتباره استهدافا لشخص أو جهة. فالمساءلة هنا تنصب على المعلومة، لا على صاحبها. ومن حق المتلقي أن يعرف كيف تم الوصول إلى رقم يقدم له باعتباره حقيقة، كما أن من حقه أن يميز بين ما تمت معاينته ميدانيا وما نُقل عن مصدر آخر.

إن قيمة العمل الميداني لا تُقاس بضخامة الرقم الذي يتضمنه الخبر، ولا بمدى إثارة العنوان الذي يرافقه، وإنما بقدرة صاحبه على الدفاع عن سلامة معطياته أمام القارئ وأمام ضميره المهني. فالمعلومة القوية ليست بالضرورة الأكثر إثارة، وإنما الأكثر قدرة على الصمود أمام السؤال والتحقق.

فالشرعية السياسية لا تصنعها الأصفار المجانية، والشعبية لا تُقاس بعدد يرد في عنوان إعلامي. الحضور يُعاين، والأداء يُقيّم، والبرامج تُناقش، أما الوزن الانتخابي الحقيقي فتحدده في النهاية إرادة الناخبين وصناديق الاقتراع.

لذلك، فإن احترام المتلقي يبدأ من احترام المعلومة. والرقم، مهما كان كبيرا، لا يكتسب المصداقية من حجمه، وإنما من مصدره وطريقة احتسابه وإمكانية التحقق منه. وبين الرقم الذي يصف الواقع والرقم الذي يصنع الانطباع، تقع مسؤولية مهنية لا ينبغي الاستهانة بها.

فالحقيقة الميدانية لا تحتاج إلى تهويل كي تكون مقنعة، والخبر لا يصبح أكثر قيمة بمجرد أن يكبر رقمه. يكفي أن يُنقل بإنصاف وتجرد ووضوح، حتى يظل للمتلقي حقه الكامل في أن يرى المشهد كما جرى على الأرض، لا كما أُريد له أن يظهر.

تابعوا آخر الأخبار على Google News تابعوا آخر الأخبار على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 21:44

لقجع يفتح النار على حصيلة الحكومة ويضع كلفة المعيشة والهجرة في قلب النقاش الانتخابي

الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 21:36

جمعية الناشرين تصعّد ضد أوزين.. مقاطعة لأنشطة الحركة الشعبية وتهديد بكشف التجاوزات

الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 10:30

الحسيمة.. الوكيل العام للملك يكشف تفاصيل واقعة إمزورن

الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 10:29

الدار البيضاء.. محاولة للسرقة من داخل وكالة لتحويل الأموال تقود شخصا للاعتقال